"الفرق الواضح بين المزاح والكذب الصِّراح عن أنس (أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا كان يهدي للنبي صلى الله عليه و سلم الهدية من البادية فيجهزه رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يخرج فقال النبي صلى الله عليه و سلم ان زاهرا باديتنا ونحن حاضروه وكان النبي صلى الله عليه و سلم يحبه وكان رجلا دميما فاتاه النبي صلى الله عليه و سلم يوما وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال الرجل أرسلني من هذا فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه و سلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه و سلم حين عرفه وجعل النبي صلى الله عليه و سلم يقول من يشتري العبد فقال يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدا فقال النبي صلى الله عليه و سلم لكن عند الله لست بكاسد أو قال لكن عند الله أنت غال). مسند الامام احمد. الاسناد: إسناده صحيح على شرط الشيخين تعليق دقيق ورقيق: زاهر بن حزام لم يكن عبدا، فكيف قال من يشتري مني هذا العبد؟ وان كان المراد عبدا لله فكيف يبيع حرا؟ وان كان عبدا مملوكا فكيف يبيع ما لا يملك؟ ويدعي ضمنا انه مالكه. الحاصل: هي مجرد مداعبة وممازحة ولا تدخل في باب الكذب والافتراء. وفيها تشريع لبيان الفارق البين بين الكذب والمزاح. ولدفع المبالغة في الإحتياط التى قد تؤدي الى التنطع والتشدد والتضييق. وهناك كم هائل من القصص الأدبي الذي حيك على السنة الحيوان نحو: روي أن أرنباً وثعلباً تحاكما إلى الضب فقالا: جئناك لتحكم بيننا يا ابا الحسل. قال: في بيته يؤتى الحكم. فقال الأرنب: إني جنيت ثمرة. فقال: حلواً جنيت. فقال: إن هذا أخذها مني. فقال: لنفسه بغى الخير. فقال: وإني لطمته. فقال: البادئ أظلم. فقال: فلطمني. قال: كريم انتصر. فقال: احكم بيننا. فقال: قد حكمت. وكذلك ما جاء على وجه المبالغة. نحو: (فوجدا فيها جدارا يريد ان ينقض) والجدار ليس له إرادة. ومثل: ما شاء الله عليه خفيف ريشة يسبق الريح. او رزين عاقل اثقل من جبل احد. او ما بينهما كما بين الثريا والثرى للمتباينيين. ولعل منه: لهو اسرع بالخير من الريح المرسلة. والامثلة تفوق الحصر. فهذا وغيره لا يعد من الكذب. وفيه قرائن لفظية وحالية تنفي أن يكون كذبا. أما حديث: وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ . هذا فيمن يكذب كذبا صريحا لا لبس فيه ويحمله السامع محمل الصدق والجد. اما ان يقول جئتكم على جناح نسر فهذا لم يكذب لان السامع فهمه على انه: جئتكم مسرعا مبادرا. لا أنه جاء فوق جناح نسر على الحقيقة. وكذلك انما الأعمال بالنيات فقائله لا ينوي الكذب. وسامعه لا بفهم منه الكذب، لان الأسد لا يتكلم مثلا. والحصان لا يطير والحمار لا يلبس حلة. حديث عائشة: قدِم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، من غزوةِ تبوكَ – أو خيبرَ – وفي سهوتِها سِترٌ، فهبَّتْ ريحٌ فكشفتْ ناحيةَ السِّترِ، عن بناتٍ لعائشةَ – لعبٍ – فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ قالت: بناتي! ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رِقاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهنَّ؟ قالت: فرسٌ، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحانِ، قال: فرسٌ له جَناحانِ؟ قالت: أما سمعتَ: أنَّ لسليمانَ خيلًا لها أجنحةٌ؟ قالت: فضحك حتى رأيتُ نواجذَه. ابو داوود. فقولها: بناتي، وفرس عليه جناحان، وان لسليمان خيلا لها اجنحة. فضحك حتى رأيت نواجذه. ولم يعد شيئا من ذلك كذبا أو باطلا لا بد من انكاره."