"الجسد لا يستقيم من غير رأس، والناس لا يستقيم أمرهم من غير ملك أو رئيس. الملك الذي يظنه الناس في قمة الحرية والسعادة، قد يكون في الحقيقة أشقى الناس بالملك؛ فحيثما ذهب أحاطت به الحراسة، وحيثما جلس أحاط به الخوف. يخشى من أقاربه، وأهل بيته، وحراسه، ومن طعامه وشرابه؛ لأن دمه مطلوب، وخطر الغدر قد يأتيه من أقرب الناس إليه. اسألوا التاريخ، يخبركم بصدق وصراحة: كم من ملك قتله قريب، أو دس له السم زوجة، أو غدر به أخ، أو خانه حارس! إنه يعيش في قصره كالمسجون، وتحيط به الحراسة كالمحاصَر، ويشك في كل شيء، ويفزع من كل صوت. فليس كل من ملك الناس ملك حريته؛ وربما كان أفقر الناس إلى الأمن من ظنوه أغناهم عن الخوف، ولأن تّقيم في كوخ وانت نائم آمن، خير من أن تّقيم في قصر وأنت خائف مذعور. نعم اسألوا التاريخ: الرسول صلى الله عليه وسلم حاولوا قتله، وعمر قُتل، وعثمان قُتل، وعلي قّتل، ومعاوية أصابوه لكن نجاه الله تعالى، وعمرو بن العاص هموا بقتله، لكن ما وافق قدر، رضي الله عنهم جميعا. فالملك هو الرأس، والرأس كثير الأوجاع."