"(الإستعانة) بالفاجر أو الكافر قال عمر: إني لأُولي الرجل الفاجر ثم أكون على قفانه. قال أحد الولاة: أين الكفاة الخونة. حتى يوليهم لكفاءتهم وقوتهم. ولأن تُولي الفاجر القوي، خير من أن تولي المتقي الضعيف لأن الأول قوته لك وفجوره علي نفسه. والثاني تقواه له وضعفه عليك. وكان الذي يحوط النبي بالرعاية والحفظ عمه وكان على دين قريش. وكان دليلهم في الهجرة مشركا، وهو عبدالله بن أريقط الديلي. وفي هذا ما فيه من إئتمانه على أرواحهم، وأدنى ما فيها أن يُخبر قريشا عنهما، أو أنهما في غار ثور، ويظفر بمائة ناقة صحصح، فيها غنى الدهر. في صحيح البخاريّ: "استأجر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر رجلاً مِن بني الدِّيل وهو مِن بني عَبدِ بن عَدِيٍّ هاديًا خِرِّيتًا -والخِرِّيتُ الماهرُ بالهداية- قد غَمَس حِلْفًا في آل العَاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ وهو على دين كفَّار قريش فَأمِنَاه فدفعا إليه راحلتَيهما وواعداه غار ثَوْر بعدَ ثلاثِ ليالٍ براحِلَتيهما صُبْح ثلاثٍ وانطلَق معهما عامرُ بنُ فُهَيْرةَ والدَّليلُ فأخذَ بهم طريقَ السَّواحِل". فعند الحاجة مع الأمن والثقة والكفاءة يُستعان بالفاجر أو الكافر، ولا يُستعان بالمسلم إذا كان غير ثقة، إما لخيانته أو لسفاهته أو لعدم كفاءته، ولا يؤمن أن يأتي من طرفه الخلل والخطر والفساد. ويؤيد ذلك دليل العقل والفطرة، وللوهلة الأولى من غير تردد، ترى نفسك تميل بشدة للركوب مع طيار غير مسلم قديم ماهر، قاد الطائرة ألف ساعة، عن الركوب مع طيار عابد زاهد خريج اللحظة، كأنه فرخ حمام ينهض ويحط ويطير بثقل وخشونة ورجفة، تجعل قلبك يكاد يمس حنجرتك من شدة الفزع، وكذلك الطبيب، فالطبيب غير المسلم الذي أجرى هذه العملية مئات المرات، والناس تشكر له، وتثني عليه وعلى نجاحاته الباهرة في إجراء هذه العملية باستفاضة، تفضله على طبيب مسلم زاهد عابد صالح ورع، لم يُجر العملية إلا عدة مرات، وجميعهم يشتكون من قلة خبرته وحنكته ودقته، وقد سبب لهم مشاكل صحية، علاوة على الآلام والمعانات المضنية، وقل مثله في مقاول البناء النصراني الذي يشكرونه ولا يشتكونه، وفي المقاول المسلم الذي يشتكونه ولا يشكرونه. وأظن أن هذه الأمور لوضوحها وجلائها لا تحتاج إلى أدلة تقليدية اصطلاحية، وحسبك عمومات النصوص الشرعية، ودليل العقل والفطرة. وهلم جرا في سائر أنشطة الحياة، فحيثما توافرت المصلحة، وانتفت المضرة، ولم يكن هناك تعارض مع نص شرعي ظاهرا، فثم شرع الله ظنا راجحا. فإذا وثقت من علم غير المسلم وكفاءته وخبرته وأمانته واستفاضة شهادة وتزكية الناس عليه، فتستعين به وقت الحاجة. وعند عدم الحاجة، أو التساوي بين المسلم وغير المسلم، يُفضل المسلم والمتقي، على غير المسلم والفاجر. عندما لا نستطيع أن نُعَبِّرَ عن الحقيقة بحرية، تصبح الحرية غير حقيقية. مستقبل أبائنا أصبح ماضينا، ومستقبلنا سيصبح ماضي أبناءنا. إذن الوقت الواحد هو مستقبل لمن كان قبله، وماض لمن سيكون بعده. وربما هذا الإختلاف الإعتباري، يُبَسِّطُ لك فهم النظرية النسبية."