"لقد كان هذا القيادي رجلا صالحا، نعم كان ظاهره رجلا صالحا أمينا. لكن المال له فتنة وبريق واغراء، فما زال يقاوم هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ورفقاء السوء، وقرينه الشيطان حتى ضعف. فالإنسان كائن حي، وكل حي متغير سلبا أو إيجابا. وهذا الذي يحصل لبعض القياديين وغيرهم، هو بسبب عدم وجود الحزم والمراقبة والمحاسبة الدورية، قبل أن تستفحل الأمور، فلا بد أن نحمي الإنسان من شر نفسه الأمارة بالسوء، ولعدم وجود الحزم والعقاب الرادع الذي يتناسب مع حجم جريمة الإختلاس إذا وقعت. لأن العقاب تطهير للجاني، ووقاية مستقبلية للمجتمع، وعدم العقاب فيه تشجيع غير مباشر، على تكرير الجرم في المجتمع، وكذلك بالنسبة للجاني الأول. والمثل يقول: فلو حُوسب المختلس الأول بالحزم والعقاب الرادع، لما تجرأ المختلس الثاني. فلا يصلح العامة إلا بالحزم مع الخاصة. كان عمر رضي الله عنه يراقب عماله، ويرسل إليهم من يأتيه بأخبارهم، في أنفسهم وفي الرعية. وكان يقارن بين حالتيهم المالية، قبل التولية وبعدها. وكان يقول: لي على كل عامل أو خائن شاهدان: الماء والتراب، ويعني: إذا وسع داره، ورفع جداره. فيقول له: من أين لك هذا؟ فيشاطره ماله، ويعزله ثم لا يوليه أبدا."