"(استشفاف الغيب) حملت به ثم وضعته غلاما فسمته هلالا. ثم حملت بها فوضعتها أنثى. ثم حملت بحمل ثالث، فذهبت إلى الكاهنة - وكان العرب يلجأون إلى الكهان، لمعرفة الغوامض والغيبيات، ويحتكمون إليهم - فأمرتها أن تتمدد على ظهرها، ثم تمتمت الكاهنة وسجعت بالخفي من الكلمات، كأنما تناجي تابعها من الجن والجنيات. ورشت على بطنها من الماء طشات، ثم قالت لها: إنهضي، في بطنك جارية، بين رجليها شق، فوقه حاوية. فرجعت إلى أهلها وهي حزينة، لأنها تريد غلاما يطعن الطعنة النجلاء، ولا تريد جارية يسبيها الأعداء. فقالت وهي واثقة: في بطني غلام يحارب ويرفع الأعلام. فقالوا لها: وهل أنت تعرفين أكثر من العرافة الكاهنة. فلما وضعته فإذا هو غلام، كأنه بدر التمام، فتعجب أهلها منها، فقالوا لها: كيف عرفتيه: ( عرفته بِضَرِطِي بهلال ) فأرسلتها مثلا. عرفته بطريق المقايسة، فوجدت أعراض حمله تشبه أعراض حملها بهلال، من الإنتفاخات والغازات، ولا تشبه أعراض حملها بالجارية. جميع أعراض الدنيا وأحداثها، مبنية على التشابه والتباين. فمع شيء من النباهة والذكاء، وقراءة التاريخ والذاكرة القوية، تستطيع أن تستشف بعض الغيبيات عن طريق المقايسة بالمشاهدات، تشابها أو تقاربا أو تباينا. فما أشبه الليلة بالبارحة، شبه التمرة بالتمرة، والأيام تتشابه، والتاريخ يعيد نفسه."