"(الأخلاق تُنَفِّق السلعة) كان تاجران متقابلين في السوق، احدهما عسَّال يبيع العسل، والاخر خلَّال يبيع الخل، وكان الناس يكتظون على محل الخلَّال، ولا يُقبلون على العسَّال، فقال في نفسه، لعل غلاء سعر العسل هو ما صرفهم عني، فما زال يُخَفِّض في سعر العسل، حتى ساواه بالخل، ومع هذا لم يأته احد ليشتري منه عسلا، فذهب الى جاره الخلَّال، وقال له: أخبرني، لماذا الناس يتضامون عليك، مع انك تبيع الخل، وطعمه حامز، يلسع اللسان، ورائحته مستكرهة، وإذا تذوقه متذوق يكاد يجرح حلقه، ويحمل على النحنحة. وانا ابيع العسل، لُعاب النحل، طعمه حلو، ورائحته زكية، وفيه شفاء للناس من الأسقام، ومَنَّ الله به علينا في القرآن، ولا يُقبل علي احد ليشتري مني. فقال له الخلَّال: (لأني ابيع الخل بكلام من عسل، وانت تبيع العسل بكلام من خل فقال العسَّال: ما المقصود بهذا الكلام، فسكت الخلَّال، واستحى أن يمدح نفسه، فأخذ بيده رجل حاضر، وقال له: أي: كان الخلَّال يبتسم في وجه الزبون، ويُرحب به، ويتسامح في البيع، وإذا وزن أرجح، وذكر له ما يعرفه من خصاله الحميدة. فقال العسَّال: الآن عرفت السبب! وبان البدر من وراء السحاب، وأن العبسة والشدة تنفر الناس، فما أحوج التاجر إلى الأخلاق الحميدة، وصدق من قال: قبل أن تفتح بقالة تعلم الإبتسامة في وجوه الناس."