"(الحقيقة والمجاز) الكلام يُحمل على الحقيقة أولا، والضابط: أن يحمل على حسب نوع المتكلم، فإن كان المتكلم الشرع، فيحمل على الحقيقة الشرعية، وإن كانت اللغة، فيحمل على الحقيقة اللغوية، وإن كان العرف، فيحمل على الحقيقة العرفية. والترتيب: عند التعارض، تقدم الحقيقة الشرعية، ثم الحقيقة العرفية، ثم الحقيقة اللغوية، فإن لم يمكن حمله على الحقيقة اللغوية، يحمل على المجاز. ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام استعمل ألفاظا محمولة على غير معناها، وجاء فيها قول للنووي تعليقا على حديث أنس، لما قالت عائشة لأم سليم: فضحت الناس، تربت يمينك، فرد الرسول عليها: بل أنت تربت يمينك، ففي معناها خلاف، والأصح الذي عليه المحققون في معناها: أنها أصلها بمعنى افتقرت، ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فيذكرون تربت يداك، وقاتله الله، ما أشجعه، ولا أم له، ولا أب لك، وثكلته أمه، وويل أمه، وما أشبه هذا من ألفاظهم يقولونها عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، أو التنفير منه، أو استعظامه، أو الحث عليه، أو الإعجاب به. والله أعلم. وورد عن الرسول قوله لمعاذ ثكلتك أمك، ولأبي بصير ويل أمه، فلما خرجت الكلمة عن حقيقتها وصارت بالعرف تستعمل على غير ظاهرها، وجرت على ألسن الناس بمعان أخرى غير ظاهر لفظها، جاز النطق بها، وحسبك أن الرسول عليه الصلاة والسلام استعمل مثل هذه الألفاظ."