"(الحب والمودة) لا شك أن قوة الإشتياق على قدر الفراق. وشدة اللذة على قدر الحرمان. وهذا دور الحب ووصفه في البدايات. وعلاقة المودة بالمحبة، علاقة سببية، فمن أحب إمرأة تودد إليها: بلين الكلام والإبتسامة الرقيقة والمشاعر الدافئة والتصرفات الحانية، فالحب جذور والمودة ثمار، ولتقاربهما قد يصعب التفريق بينهما، والمودة هي الحب المعلن، والحب هو المودة المكنونة. والمرأة تفضل الحب المعلن ( المودة ) على الحب المكنون، لأن الحب المكنون ليس له شاهد وبرهان محسوس، فيخالج الزوجة الريبة، ويلح عليها وسواس الشك في الحب، فيسبب لها قلقا وتوترا واضطرابا. أما المودة والتودد فهي ظاهرة ومعلنة، بحسن المعاشرة، والهدايا والإكرام، والثناء وإظهار الإعجاب، وقبلة رايحة وقبلة جاية، ونظرة إعجاب وصدة دلع وهيام، وقرصة تعبر عن اشتياق ولهفة وظمأ. إذن الحب - والله أعلم - لا يموت، ولا يغادر، وهو المحرك الأساسي للمودة، ولكن يكون محله في القلب، وفي ثنايا وخبايا النفس. ففي البدايات وقبل الزواج يكون ظهور الحب أكثر، لأنه حبيس القلب والنفس، فهو شبيه بقدر البخار، ثم بعد الزواج، تبدأ الأمور تأخذ وضعها الطبيعي، الذي يضمن لها الإستمرار والبقاء. فيتوارى الحب ويكن لكنه يبقى ولا يرحل، يبقى في القلب وتظهر المودة والتودد. مثل حب الله في القلب، وبرهانه الطاعة، وإيثار الآخرة على الدنيا. والحديث عن الحب يكتنفه الغموض، وينتشر حوله الضباب، فالحب يُحس أكثر مما يوصف، ومن عرَّف الحب فما عرفه. فلا تتوقع بيانا شافيا كافيا عن الحب وأسراره وطلاسمه. ومما حفظه الناس من ثقافة (الأسود والأبيض): (يخرب بيت الحب شو بزل). وربما يُستأنس لما تقدم، بهذا الحديث: "أَنَّ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةٍ ذَاتِ السَّلاسِلِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، " مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا" أخرجه البخاري ومسلم. ولعل في الحديث شاهد على بقاء الحب."